جريدة السوهاجية

جريدة السوهاجية | صوت من لا صوت له

د مصطفى النجار يكتب :احموا الجامعات معابد العلم

 

بقلم د/ مصطفى النجار : _

أمسك بيده أوراقًا إدارية انتزعها من المكاتب التى اقتحمها مع زملائه فى مبنى إدارة جامعة الأزهر وأخذ يلقى بها من النافذة، وتعالت الهتافات: الله أكبر، رابعة رابعة، وتوالت الأشياء التى يلقون بها من أجهزة كمبيوتر، وتلفاز، وشاشات، وغيرها، والحماس يشتعل، بينما كانت مجموعة أخرى تمسك عمودا من الخشب تحاول أن تشق به جزءا من حائط المبنى فى غزوة اقتحام مبنى إدارة الجامعة!!

دافعنا عن حق التظاهر السلمى والتعبير عن الرأى وتحدثنا عن ضرورة استيعاب الطلاب وتفهم الغضب بنفوسهم بعد سقوط أكثر من 70 زميلا لهم فى أحداث فض اعتصام رابعة، وحادث المنصة، والحرس الجمهورى، ولكن تحول الغضب إلى بلطجة وتجاوز غير مقبول، ولا أعرف ما النفع الذى سيعود على الطلاب الذين اقتحموا مدرجا بكلية الهندسة أثناء محاضرة وهتفوا: مفيش دراسة يا ولاد الو…! وصمموا على تعطيل الدراسة لطلاب آخرين لا يشاركونهم قضيتهم أو احتجاجهم؟

قال لى أحد طلاب الجامعة من المنتمين للإخوان من الذين أعرفهم (لم أشارك فى هذا العبث بعد أن عجزت قياداتنا عن إيقاف الغضب المجنون الذى تعدى كل حدود الأدب والاحترام، سواء فى الهتافات المشينة التى تحتوى شتائم نابية، أو فى ممارسة بلطجة حقيقية تجعلنا نخسر أكثر وأكثر أمام الرأى العام وأمام الإعلام، الذى يصورنا إرهابيين بسبب هذه الممارسات، سيكتب التاريخ أننا السبب فى عودة الأمن داخل الجامعات بعد أن منحنا له الذريعة الكاملة).

يسوق بعضهم تبريرات من نوعية أن هناك بلطجية تسللوا لإحداث هذه الفوضى وسط الطلاب، ولكن اللقطات المسجلة تقول غير ذلك، وبافتراض أن هذا صحيح فإنه لا يبرر بقاء الأوضاع على ما هى عليه.

عدت بالذاكرة لفترة دراستى بالجامعة إذ كان جهاز أمن الدولة هو المسيطر والآمر والناهى فى كل شىء، بدءًا بمنع الطلاب المعارضين للنظام من السكن بالمدينة الجامعية، ومرورا بالتحكم فى كل الأنشطة الطلابية والتضييق عليها، ووصولا إلى تعيين المعيدين وتولى المناصب الإدارية، بدءا من رئيس القسم وعمداء الكليات إلى رئيس الجامعة نفسه! كان لكل جامعة ضابط من أمن الدولة من قسم الجامعات بالجهاز يتولى شؤون الجامعة، ويدير تقريبا شؤونها عبر التدخل فى كل صغيرة وكبيرة.

كانت أياما بغيضة نشعر فيها أننا داخل سجن يلاحقوننا بالترهيب والاعتقال والإيذاء ومجالس التأديب، حتى نصمت ونذعن لرغبات النظام، وناضلنا مع جيلنا وأجيال أتت بعدنا من الطلاب والأساتذة حتى صدر الحكم التاريخى بإخراج الأمن من الجامعات، حيث ثبت أن وجود الشرطة داخل الجامعات أصبح سياسيًا لقمع الطلاب ومراقبتهم وليس أمنيا لحمايتهم وحماية المنشآت الجامعية.

فشلت فكرة الأمن الإدارى على مدار 3 سنوات فى حماية الجامعات والمستشفيات الجامعية التى تعرض فيها الأطباء للترويع والاعتداءات المتكررة، وتعالت الأصوات الآن بعودة الأمن داخل الجامعات، بعد المشاهد المؤسفة التى تكررت، ولكن الموقف العقلانى الذى لابد أن نتبناه جميعا بعيدا عن المزايدات والمبالغات هو ضرورة حماية العملية الدراسية، وقدسية الجامعات كمعابد للعلم من هذه الممارسات الكارثية، وذلك عبر عودة الأمن الجنائى للجامعات، وليس الأمن السياسى بصورته التقليدية التى عرفناها أيام مبارك، مطلوب من الشرطة حماية الجامعات من الخارج، والتدخل عند حدوث أى خروج عن القانون، ويمكن أن يتم عمل قسم أو نقطة شرطة بجوار كل جامعة تكون خاصة بالجامعة.

كثير من الجامعات كانت ستتعاقد مع شركات أمن خاصة الفترة الماضية فلتتعاقد مع الداخلية لتقديم الخدمات الأمنية فقط، وليس للتجسس على الطلاب أو قمعهم، ولا التدخل فى أى شىء يخص إدارة الجامعة والعملية التعليمية.

لن نعيد كوابيس الماضى، ولن نقبل بعودة الحرس للجامعات، أو تأميم العمل الطلابى وأنشطته، لكن رضوخنا لكسر القانون وتجاوز السلمية سيسبب انهيارا فى العملية التعليمية ذاتها، ويفتح أبوابا للاقتتال الأهلى داخل الجامعات، هذا الحل هو حل وسط يفرضه الواقع، ويحتاج إلى ضوابط لعدم تكرار تجارب الماضى البغيض، لا تسمعوا للمزايدين وللرافضين لكل إجراءات تنظيمية، مفضلين للفوضى، ولا تحققوا رغبات الفاشيين الحالمين بإعادة الزمان البائس.

 

 

الأقسام: مقالات وآراء