جريدة السوهاجية

جريدة السوهاجية | صوت من لا صوت له

” السوهاجيه ” ترصد مقال الاديب والشاعر فتحى الصومعى ” النعيم فى غياب الدوله “


بقلم الاستاذ / فتحى الصومعى :-

جميل هو خريف العمر، ربما يستهجن البعض رؤيتي هذه، إن الأمر لا يختلف عن حياة الشجر لفصل الخريف، الشجر الذي يحمل على أكتافه أي على أغصانه، يحمل الأوراق فإذا بها تحمل الأتربة ومخلفات العصافير، هذا غير الآفات والأمراض فيصبح الخريف فرصة لإراحة الأشجار منها، فتذهب غير مأسوف عليها، جميل هو خريف العمر إذ تتحرر من كثيرين، غيابهم خير من حضورهم، وتتأكد من أن الكثير مما توليه عظيم اهتمامك إنما لا يستحق ذرة من اهتمامك، وتتعرف على القيمة الحقيقية لأشياء كثيرة، فإذا بالغالي ينكشف أمره وإذا به لا يساوي حفنة من تراب.
جميل هو خريف العمر، يريحك من ” دوشة ” التليفون إذ يصاب الكثيرون ممن تعرف بالخرس والصمم فلا يتصلون بك، وبدورك لا تتصل وهنا يظل كارت الشحن ذو الفئة الفقيرة لأيام وأسابيع، لذا ترتاح أذناك وجيبك. جميل هو خريف العمر إذ تجد فيه تخاريفك أنقى وأطهر وأكثر إمتاعاً من حديث” جهيزة” التي قطعت بقولها قول كل خطيب. اللهم اجعل خريف العمر راحة لنا من بلايا كل الفصول.
جميل هو خريف العمر إذ يعيدك إلى تقديم الكيف على الكم، عندها تجد أن طابوراً من مدعي الصداقة إنما يغني عنهم عدد لا يزيد عن أصابع اليد من الأصدقاء البشر الذين ينحدرون من صلب إنسان، وجميل هو خريف العمر إذ هو خير معلم يؤكد على أن أسوأ ما يحمل الإنسان هو شفاهه التي تبتسم فتخفي أسوأ ما اتصف به ” عيال آدم”.
الحمد لله أن الدولة تتجاهل من هم في خريف العمر فلا تعرف كم هم سعداء بغيابها، لأن حضورها يعني أن الخريف سيئ مثله مثل بقية الفصول، لذا أخشى أن تشعر الحكومة بسعادتنا في غيابها فتفرض” ضريبة موت ” أي حتى نموت لابد من أن ندفع ضريبة، ترفض أن نموتوا مجاناً. 
خــايـــف الــحــكـــومــــه تـــزورنــــــــا
………………….. واحــنــــا فــي ســـــن الـــمـــعـــــــــاش
تــوقــــف كـــلـــقــــمــــه فـــي زورنـــا
…………………… تـــرفــــض نـــــمـــــوتــــــوا بــــــلاش
هذا وأجمل ما في خريف العمر أن أي طعام: ماشي. وأي قدر منه: يكفي. وأن التواجد في السرير كثير بينما النذر القليل من النوم: بركة. وأن ريحة النساء لا كل النساء: فضل ونعمة. وهذا يمثل عودة العقل إلى الرجل الذي يخطئ في مقتبل العمر حين يحب عيون المرأة فيخطئ بأن يتزوجها كلها.
يلبس الرجل في خريف العمر، يلبس ما يعجب الناس وما لا يعجبهم لا فرق ولا ضير، إذ أن وجودهم في حياته لم يعد صاحب دور. هذا وفي خريف العمر تعقل المرأة إذ تكف عن الأوامر والنواهي والتوجيهات وذلك لأن الرجل ” يعطيها الطرشة” ولا يسمع لها سواء برضاه أو مع سبق الإصرار، أو بفعل شيخوخة أذنيه، وربما بسبب تراكم المعرفة والثقافة والتجارب وجميعها يؤكد على إيمان الرجل بأن المرأة” لا يعجبها العجب”، المرأة التي لا تحمل صورة ذات تأثير على الرجل في خريف العمر، لأنه يراها شبحاً لا يختلف عن شبح أي شئ في الشارع يراه من بالكونته في الطابق الحادي عشر وله عينان أكل عليهما الدهر وشرب، يتساوى عندهما صورة عروسة في الكوشة مع جاموسة يجرها صاحبها إلى حقل البرسيم.
إن من يعيش خريف العمر يكفيه أن يتذكر دوماً ولا ينسى إطلاقاً أنه منقلب إلى ربه، ويكفيه أن يتذكر الحكومة مثلما يتذكر امرأة لعوب أيام شبابه كانت له معها علاقة عابرة ” خدت لحظتها وغارت في ستين داهية” الحكومة التي لا تختلف عن امرأة تدعي الشرف والنزاهة والأصل الطيب والتربية السليمة، امرأة تلبس جلبابها ” على اللحم” فإذا ما ظهر أمامها رجل فجأة فإنها ترفع جلبابها لتغطي وشها ” فيتعرى….” يتعرى جسمها، ويتعرى اللي” ما يتورى” كما يقولون في القرى.
إنها الحكومة الراعي الوحيد للقطيع، القطيع الذي يقضي العمر يخشى الذئاب وينتهي به المطاف بأن يذبحه الراعي ويأكله بالهنا والشفا. هكذا نحن القطيع في خريف العمر مع راعينا لا رعاه الله لظلمه لقطيعه.
جميل هو خريف العمر، عقبال عندكم.


جميع الحقوق محفوظة 2019 جريدة السوهاجية - جريدة السوهاجية | صوت من لا صوت له
المقالات والتعليقات المنشوره لا تعبر عن رأي جريدة السوهاجية ولكن تعبر عن رأي صاحبها