جريدة السوهاجية

جريدة السوهاجية | صوت من لا صوت له

الدكتور محمد القاضي يكتب: مناقشة هادئة… لمدعي الإصلاح (٢)

 

الدكتور محمد عمر أبوضيف القاضي

تعطيل بعض أحكام القرآن الكريم … القائمة الثانية من قوائم دابة الإصلاح نقول فيها :

القول بتعطيل بعض أحكام القرآن الكريم ، هذا تجرؤ قبيح، وتخبط صريح، وتهور مرزول، وقول لم يُسبق إليه هذا الأستاذ – فيما أعلم-، ولم يُسلَّم لأحد قاله قبل ذلك في أمة الإسلام، لا من العلماء ولا من العوام، ودلالة نقضه فيه، ولم يحدث أن عُطِّل العملُ ببعض أحكام القرآن الكريم في دولة الإسلام أبدا، ومن قال ذلك فعليه بالدليل، وأما ما يزعمونه من تعطيل سيدنا عمر – رضي الله عنه- لسهم المؤلفة قلوبهم، أو لحد السرقة في عام الرمادة، فهذا جهل من زاعمه، وقلة فهم من قائله – إن كان يقوله بحسن نية -، وإلا فهو فساد طوية، وخبث نية، وضلال وإضلال، وتلبيس على الخلق، وتدليس في الحق، وأنبئك بتأويل ذلك، فإن ما حدث أيام سيدنا عمر بن الخطاب – رضي الله عنه- لم يكن تعطيلا لحد السرقة، ولا تعطيلا لحكم سهم المؤلفة قلوبهم الوارد في القرآن الكريم، إنما لم ينفذ حد السرقة، ولم يعط سهم المؤلفة قلوبهم، بوضوح كبير، و(ببساطة شديدة) لعدم وجود مقتضاه، فمقتضي حد السرقة أن يسرق السارق ما يبلغ نصابا، ويكون في حرز، وليست فيه شبهة، ويكون السارق غير محتاج ، لنفرق بين الذي يسرق اعتداء وافتراء وخبث نفس، وصنعا للشر للناس والضر، وبين سارق مضطر ألجأته الضرورة الملحة، ودفعه الجوع الذي ليس له دافع إلا هذا، وقد استنفذ سبل الحلال، وأجهد نفسه في طلبها، فلم يجد ما يدفع عنه وعمن يعول عادية الجوع واضطرار المخمصة إلا هذه السرقة، ففي هذه الحالة من السرقة لا يقطع السارق باتفاق الفقهاء جميعا، وهذا عين ما كان أيام سيدنا عمر، فكيف يقطع سيدنا عمر يد سارق يدفع عن نفسه الموت جوعا، فهو لم يعطل حدا أبدا، بل لم يجد مقتضي تطبيق الحد وفقط.

وأما ما قيل من تعطيل سهم المؤلفة قلوبهم فهذا أيضا لم يحدث، فإن الذي حدث: أن هذا السهم كان في الإسلام إعانة لهذا الدين على نشره بين جميع الخلق لمنفعتهم ؛ فهو يعطي لمن يُرجى إسلامهم، أو من يُحتاج كف شرهم، أو يراد تأليف قلوبهم وقوة إيمانهم، وذلك للحاجة والمصلحة؛ فقد وزع لقيادات طبيعية وشعبية ومؤثرة في الناس ومحيطهم، ولم يكن الإيمان قد دخل قلوبهم أصلا ولم يسلموا ، أو لم يتمكن الإيمان من صدورهم أو يقر في نفوسهم بحلاوته، وفيهم شدة وقوة، فربما ذبذبوا الضعفاء في عقيدتهم، وصنعوا بهم ما يردوهم به عن دينهم أو يكاد، وقد أخبروا هم عن ذلك بألسنتهم ؛ ففيما رواه مسلم عن صفوانَ قال: واللهِ لقدْ أعطاني رسولُ الله – صلَّى الله عليه وسلَّم- ما أعطاني، وإنَّه لأبغضُ النَّاسِ إليَّ، فما برِح يُعطيني، حتى إنَّه لأحبُّ النَّاسِ إليَّ. وكذلك ما رواه عن أنسِ بن مالكٍ – رَضِيَ اللهُ عنه- قال: ما سُئِل رسولُ الله – صلَّى الله عليه وسلَّم- على الإسلامِ شيئًا إلَّا أعطاه. قال فجاءه رجلٌ فأعطاه غنمًا بيْن جَبلينِ، فرجَع إلى قومِه، فقال: يا قومِ، أسلِموا؛ فإنَّ محمَّدًا يُعطي عطاءً، لا يخشَى الفاقةَ.

كما يوجد على حدود دولة الإسلام الناشئة أعداء يتربصون بها الدوائر، ويسعون للقضاء على الإسلام ودولته بكل حيلة، ويعملون علي هدم الدعوة ووأدها بكل وسيلة؛ فشرع الله هذا السهم؛ ليحصن الجبهة الداخلية لدولة الإسلام الناشئة، وَيحميها من أن تؤتي من داخلها، وهذا أكبر خطر، لكن لما قويت الدولة الإسلامية وعظمت، بل وحطمت جبهات أعدائها، وأمنت حدودها الخارجية تأمينا ليس بعده مزيد، بل وصارت مرهوبة الجانب من أعدائها، ويسعون لرضاها، وانتشر الإسلام وكثر المسلمون، وقر الإيمان في قلوب المؤمنين وتحصن؛ فلا يخشى عليه من شبهة ولا شهوة ولا قوة ؛ لم يبق لهذا السهم مقتضى، والحال كذلك، فلم يعطه سيدنا عمر – رضي الله عنه-، وقرر ذلك صراحة في القصة المشهورة للرجلين من المؤلفة قلوبهم اللذين جاءا لسيدنا أبي بكر الصديق – رضي الله عنه- وطلبا منه أرضا فوافق، ولم يكن سيدنا عمر موجودا، فطلب سيدنا الصديق شهادته على كتابه لهما بالأرض، فلما قرأ الكتاب محاه، وقال لهما : إن الرسول – صلى الله عليه وسلم-، كان يتألفكما، والإسلام يومئذ قليل، وإن الله أغنى الإسلام وأعزه اليوم، فاذهبا فاجهدا جهدكما كسائر المسلمين، فالحق من ربكم، فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر… ووافقه سيدنا أبوبكر – رضي الله عنهم جميعا-، ورجع إليه، والصحابة كلهم موجودون ولم ينكروا ذلك كما قال كمال الدين بن الهمام :فلم ينكر أحد من الصحابة على عمر – رضي الله عنه- مع ما يتبادر منه من كونه سببا لإثارة الثائرة أو ارتداد بعض المسلمين…، بل قد أخرج الطبري في( تفسيره) عن الشعبي، قال : إن المؤلفة قلوبهم كانوا على عهد رسول الله – صلى الله عليه وسلم-، وأنه ليس اليوم مؤلفة قلوبهم.

مما يدل على صحة ما ذكرنا من أن سيدنا عمر لم يعطل أحكام القرآن الكريم بل لم يوجد مقتضي لتطبيق الحكم، ونقرر ما قرره سادتنا، أن الحكم باق إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولكن يطبق إذا وُجد مقتضاه، وما يستدعي تطبيقه…، أما ما يقوله أستاذ الفقه، ويردده تيار الإصلاح، فهو منكر من القول وزور، وضلال عقل وقلب وغرور، وتجني على الشرع الشريف، وتبديل لأحكام الله وتحريف، وهو كلام ساقط، لا اعتبار له ولا قيمة.


جميع الحقوق محفوظة 2022 جريدة السوهاجية - جريدة السوهاجية | صوت من لا صوت له
المقالات والتعليقات المنشوره لا تعبر عن رأي جريدة السوهاجية ولكن تعبر عن رأي صاحبها