جريدة السوهاجية

جريدة السوهاجية | صوت من لا صوت له

الدكتور محمد القاضي يكتب: الإسلام دين الإنسانية

 

الدكتور محمد عمر أبوضيف القاضي

قرأت علي وسائل التواصل الاجتماعي حادثة غريبة، لامرأة في مدينة هونغ كونغ في الصين، صدمتها سيارة أجرة، وسط طريق مزدحم ، وظلت المرأة لساعات طويلة ملقاة وسط الطريق دون أن يسعفها أحد، رغم أنها كانت تصرخ من الألم وتستنجد بالناس.. لكن المارة يسيرون بجانبها متجاهلينها تماما، كأنهم لا يرونها ، وكأنها غير موجودة ،وتعاملوا بلامبالاة غريبة ، وظلت المرأة على هذه الحالة المزرية المفجعة ساعات طويلة، وهي تصرخ وتتألم؛ حتى دهستها سيارة أخرى؛ لتلفظ أنفاسها الأخيرة، وتريحها من هذا الجحود العجيب الذي لا يوجد مثله في عالم البهائم ، وماتت وتزداد المأساة ببقاء جثتها مطروحة وسط الطريق حتى مرت دورية شرطة مصادفة ؛لتأخذ الجثة، وتتصرف بها !!!

ورغم الحزن الذي اعتصر قلبي لهذه القصة التي تدل علي الحجرية التي صارت سمت البشر هناك، والصخرية التي كست القلوب التي خلت من الإيمان ، سيما وقد علمت أنها مجرد واحدة من الآلاف من القصص المأساوية التي تتكرر بهذا الشكل وأفظع؛ حتي صارت ظاهرة تسمى: (تأثير المتفرج ) التي تكثر في الصين، وحمدت الله تعالي علي ما أنعم به من دين الإسلام، الذي لا تجد هذا المنظر أبدا في بلاده؛ ديانة، وخوفا من الله تعالى، وطلبا لثوابه ومرضاته، حيث إن حياة النفس عندنا حياة للدنيا (وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا)، ومع أن قوانين كثير من بلاد الإسلام تحول الذي يغيث إلي متهم؛ حتي يثبت العكس وتعامله كذلك، بخلاف القانون في الصين الذي لا يتعامل مع المسعف على أنه مشتبه به أو متهم ،فالفرق بيننا وبينهم الدين ؛ فهناك قلة الدين والإلحـاد حول الصين أمة الهان إلي مسوخ، يفتقرون لأبسط أبجديات الإنسانية، وأصغر قواعد الرحمة، وأدني درجات البشرية، وأصبحوا يقيسون كل شيء بالمادية ، والنفعية، والمكاسب، والخسارة الآنية، فهم لا يرجون الله ولا اليوم الآخر…، ورأيت مدى الرحمة والرأفة والإنسانية التي تكسو دين الإسلام، وهي لحمته وسداه، التي جعلت المسلم يسارع لنجدة الانسان بدافع الدين، ووازع طلب رضا الله، والراحة في اليوم الآخر، وهو يصنع ذلك تنفيذا لأوامر دينه وتعاليم شرعه ، بل هي ديون عليه واجبة الأداء!!، فعن أبي موسى – رضي الله عنه- قال:” قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم-: على كل مسلم صدقة. قالوا: يا نبي الله، فمن لم يجد؟ قال: يعمل بيده ويتصدق. قالوا: فإن لم يجد؟ قال: يعين ذا الحاجة الملهوف”. وفي صحيح ابن حبان، عن أبي ذرٍ – رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم- قال:” ليس مِن نفسِ ابنِ آدَمَ إلَّا عليها صدقةٌ في كلِّ يومٍ طلَعَت فيه الشَّمسُ، قيل: يا رسولَ اللهِ، ومِن أينَ لنا صدقةٌ نتصدَّقُ بها؟ فقال: إنَّ أبوابَ الخيرِ لكثيرةٌ: التَّسبيحُ، والتَّحميدُ، والتَّكبيرُ، والتَّهليلُ، والأمرُ بالمعروف، والنَّهيُ عنِ المنكَرِ، وتُميطُ الأذى عن الطَّريقِ، وتُسمِعُ الأصَمَّ، وتَهدي الأعمى، وتدُلُّ المستدِلَّ على حاجته، وتسعى بشدَّةِ ساقَيْكَ مع اللَّهفانِ المستغيثِ، وتحمِلُ بشدَّةِ ذراعَيْكَ مع الضَّعيفِ، فهذا كلُّه صدقةٌ منك على نفسِك”. وهل هناك ملهوف ذو حاجة أشد من صاحب هذه المواقف ؟ وكأن نبينا يستشف الغيب، وينظر إلي زمننا هذا ليعلم كثرة الملهوفين في الطرق؛ فجعل من حق الطرق لمن جلس فيها أو مرَّ عليها إغاثة الملهوف!! ،فعند الإمام أحمد من حديث البراء بن عازب – رضي الله عنه- قال:” مرَّ رسول الله – صلى الله عليه وسلم- بقوم جلوس في الطريق. قال: إن كنتم لا بد فاعلين فاهدوا السبيل، وردوا السلام، وأغيثوا المظلوم”. وفي صحيح ابن حبان، عن البراء بن عازبٍ – رضي الله عنه- قال:” مرَّ النَّبيُّ – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- على مجلسِ الأنصارِ فقال: إنْ أبَيْتُم إلَّا أنْ تجلِسوا فاهدوا السَّبيلَ، ورُدُّوا السَّلامَ، وأغيثوا الملهوفَ”. فمن حق الطريق: إغاثة الملهوف ،وإعانة الملهوف، وهداية الضال الذي لا يعرف الطريق ويسأل عنه.
وقد نفذ النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم- هذا عمليا، ورأي أصحابه منه ذلك، ونقلوه إلينا فهو – صلي الله عليه وسلم – لم يتأخر عن نجدة الناس في وقت الفزع والخوف، بل كان أسرعهم على فرس عريٍّ إلى موقع الحدث الذي يظن فيه ملهوف أو خائف أو صاحب حاجة، وعاد ليؤمِّنَهُم من فزعهم وخوفهم، وكذلك كان على الدوام؛ أقرب الناس إلى مظنات الأخطار؛ ليحميَهم، ويسدَّ عنهم الثغرات، ففي صحيح البخاري، عن أنس بن مالك – رضي الله تعالى- عنه قال:” كان النبيُّ – صلى الله عليه وسلم- أحسنَ الناس، وأجودَ الناسِ وأشجعَ الناسِ، ولقد فَزِعَ أهلُ المدينةِ ذات ليلةٍ؛ فانطلق الناسُ قبلَ الصوت؛ فاستقبلهم النبيّ – صلى الله عليه وسلم- قد سبق الناسَ إلى الصوت، وهو يقولُ: لم تُراعوا لم تُراعوا (أي: لا تخافوا)، وهو على فرسٍ لأبي طلحةَ عُرِيٍّ ما عليه سَرْجٌ، في عُنُقِه سيفٌ فقال: لقد وجدتُه بحرًا أو : إنه لبحرٌ “يقصد الفرسَ في سرعته”.

لتري الدنيا الفرق بين دين الإسلام ونبيه وبين الحضارات التي لا تدين به.


جميع الحقوق محفوظة 2022 جريدة السوهاجية - جريدة السوهاجية | صوت من لا صوت له
المقالات والتعليقات المنشوره لا تعبر عن رأي جريدة السوهاجية ولكن تعبر عن رأي صاحبها