جريدة السوهاجية

جريدة السوهاجية | صوت من لا صوت له

الدكتور محمد القاضي يكتب: سرقة نتاج الأذهان واللسان

الدكتور محمد عمر أبوضيف

ظاهرة موجودة من القديم، وزادت هذه الأيام؛ حتى صار يدركها عوام الناس، ويعرفها غير المتخصصين، وإن ظهرت لها قوانين تجرمها، وتعاقب عليها ماديا، بخلاف العقوبة المعنوية والأدبية، وهي سقوط من يصنعها من عيون الناس، ونزول قدره في نفوسهم، خصوصا أهل الفن وأرباب الصنعة، وهي ظاهرة سرقة أفكار الناس، والسطو على حصائد أقلامهم، وإعادة كتابة ما كتبوه، دون نسبته إليهم، ونقل عباراته، ونتاج كد أذهانهم، دون ذكر ذلك لهم، بل يضعها الإنسان على صفحته، وربما غير من العبارات ما يوهم القاريء أنها له ومنه، وربما تلقى الثناء والمدح على ما يكتب من القراء الذين يجهلون نسبة الكلام الصحيحة، ويظنونها لمن نشرها، وهو يتواضع بفجر، ويشكرهم على ثنائهم وشكرهم، ببرود متناه، دون أن يصحح لهم نسبة هذا القول المسروق، ولا أن يعزوه لصاحبه، بل يضيف من العبارات في الرد عليهم ما يؤكد إنتاجه لما يمدحون، وإخراجه لما عليه يثنون، في لصوصية عجيبة وشطارة مريبة، وسطو فج، وسرقة مفضوحة، وعملية أثيمة مقبوحة.

وقد ذكرت ذلك، وأنا أقرأ في أحد كتب شيخنا العلامة عبد الفتاح أبو غدة، الذي قال جاء في كتاب: (تنزيه الأنبياء عما نسب إليهم حثالة الأغبياء)، لأبي الحسن علي بن أحمد السبتي، قوله – رحمه الله تعالى _ وهو يشرح قصة النبي – صلى الله عليه وسلم- مع مولاه زيد وزينب، وما ورد فيها من آيات_: قال تعالى : “فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها”، الوطر هنا: النكاح. واعلم – رحمك الله- أن في هذه الآية فوائد جمة، منها: أن الله – تعالى- جعل فيها لزيد صيتاً وشرفاً، خصه به عن جملة الصحابة – رضي الله عنهم-، وذلك أنه لم يذكر في الكتاب منهم أحداً باسمه العلم إلا زيداً، وسبب ذلك – والله أعلم – أن النبي – صلى الله عليه وسلم- كان قد تبناه قبل ذلك، فكان يدعي بابن رسول الله، حتى نزل عليه :”ادعوهم لآبائهم هو اقسط عند الله”، فسمي بعد ذلك: زيد بن حارثة، فعوضه الله – تعالي- بأن سماه في كتابه باسمه العلم.

وهذه القولة ليست لي، ولا يبلغ نظري إلى هذا القدر، وإنما ذكرها الإمام أبو بكر بن العربي في بعض تواليفه، ولا أعلم هل هي له أو لغيره؟ وإن من غاص عليها لغواص”. وعقب شيخنا عبد الفتاح على هذا الكلام فقال : فانظر – وفقك الله- إلى تواضع هذا العالم الفاضل الجليل، كيف صرح بأن هذا الفهم الدقيق الذي استنبط من الآية ليس له، ولا من عنده، وأن نظره لا يبلغ إلى هذا القدر، وإنما هو للإمام أبي بكر بن العربي أو غيره.

فهذا – والله – التواضع الرفيع الذي زاد به سموا وعلوا في نفس كل من يقرأ كلامه، فرحمة الله تعالى عليه. وهو فوق التواضع الدقة والأمانة العلمية،وهذا من آداب علماء الإسلام جميعا، ومنهجهم الذي اتبعوه، وأمروا به، وحثوا تلامذتهم عليه، ووجهوهم إليه؛ حتي ينالوا بركة العلم، ويرزقهم الله كمال الفهم،ويتعلموا فضائل الأخلاق، ومحاسن الشيم، وهي قيمة الأمانة العلمية ، ويترفعوا عن رزائل الأخلاق ومساويء الشيم، وهي سرقة مجهودات الناس سيما العلماء، فقد قال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام الهروي رحمه الله تعالى-: “من شكر العلم أن تستفيد الشيء، فإذا ذكر لك؛ قلت: خفي على كذا وكذا، ولم يكن لي به علم، حتى أفادني فيه فلان كذا وكذا، فهذا شكر العلم”.

وقال الحافظ عبد الغني بن سعيد الأزدي، المصري- رحمه الله – معلقا علي كلام الهروي الجليل هذا :” علقت هذه الحكاية مستفيدا لها ومستحسنا، وجعلتها حيث أراها في كل وقت؛ لأقتدي بأبي عبيد وأتأدب بأدبه”.

وقد جعل الحافظ السخاوي ذكر المصادر من بركة العلم، وعلامة الصدق فيه، وترك نسبة الأفكار والأقوال لأصحابها من الكذب في العلم وكفرانه، قال السخاوي في(الجواهر والدرر): ” وصح عن سفيان الثوري أنه قال ما معناه: نسبة الفائدة إلى مفيدها من الصدق في العلم وشكره، وأن السكوت عن ذلك من الكذب في العلم وكفره”.

وأختم بما قال الإمام المجدد السيوطي في (عقود الزبرجد على مسند الإمام أحمد) في الحديث في سياق عزو الكلام لأصحابه ، ونسبةالعلم لأهله وأنه من البركة، التي تديمه وتنشره: “لأن بركة العلم عزو الأقوال إلى قائلها، ولأن ذلك من أداء الأمانة وتجنب الخيانة، ومن أكبر أسباب الانتفاع بالتصنيف”.

فهذا هو ديننا،حفظ الحقوق لأصحابها، ولو كانت مجرد حروف وكلمات – عند كثير من الناس-، وهذه أخلاق علمائنا الالتزام وتطبيق الدين، وحفظ قواعده، ومعاملة الله تبارك الله وتعالى، ومراقبته في السر والعلن، وفي كل شيء، والترفع عن أخلاق السوء، مهما ظنها الخلق هينة، فهي عند الحق عظيمة، وهم يعاملون الحق لا الخلق.


جميع الحقوق محفوظة 2022 جريدة السوهاجية - جريدة السوهاجية | صوت من لا صوت له
المقالات والتعليقات المنشوره لا تعبر عن رأي جريدة السوهاجية ولكن تعبر عن رأي صاحبها