جريدة السوهاجية

جريدة السوهاجية | صوت من لا صوت له

الدكتور محمد القاضي يكتب: حب النبي ليس فيه غلو

الدكتور محمد عمر أبو ضيف القاضي

يجب أن نحب نبينا صلى الله عليه وسلم، ونحتفي به، وبكل صغيرة وكبيرة في حياته ، ونحبب الناس كباراً وصغاراً فيه، وندفعهم إليه، اشتياقا له، ومحبة فيه، والحب هو أساس الإيمان، لذا نتسائل، لما قال النبي صلى الله عليه وسلم، فيما رواه الإمام البخاري في صحيحه، عن سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه ، أن نبينا صلى الله عليه وسلم قال: لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين.
ولمَ لمْ يقل حتى أكون أعظم عنده، أو أجلَّ قدراً، أو أكثر وقارا، أو أشد هيبة… إلخ

لماذا اختار الحب، والحب فقط، ويمكن هنا أن نربط هذا الحديث الشريف بقول الله تبارك الله وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) سورة المائدة.

وهنا السياق الطبيعي للحوار (من يرتد) أن يقال – في غير القرآن – فسوف يأتي الله بقوم يثبتون، فالارتداد يقابله الثبات، لكن الله – سبحانه وبحمده- عدل عن الثبات إلى الحب؛ لأن الحب هو أساس الإيمان وأصله، وقاعدته الكبرى، فالحب الصادق هو الذي يجلب الطاعة:

لو كان حبك صادقاً لأطعته … إن المحب لمن يحب مطيع
فأول ثمار الحب الطاعة، وطاعة المحب – سيما إذا كان رسولاً- ييسرها الحب رغم ثقلها على فاعلها المحب ، وأعلى ثمار الحب هو الثقة في المحبوب، وحمايته، ودفع الشبهات عنه، والدفاع عن جنابه الشريف، وعدم قبول النقص فيه، وهذا ما يتم به إيماننا، وما نريده لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، أن نحبه حتى ما نقبل فيه قالة متقول ،أو هذيان منحرف عن الحق متحول .

وأحبَّه كيف شئت، ولا تخش لوم لائم جاهل، ولا عتب أحمق عن طريق المحبة غافل، ولا تهاب من يلوح لك برميك بالغلو، فلا غلو في المقال ولا الفعل، إنما الغلو في الاعتقاد، وهذا مأمون عند المسلمين، فتوحيدهم – فقط- لرب العالمين، ولو كان فيهم غلو لاستخدموا – وحاشاهم – آية كريمة في ذلك، وهي قوله تعالي:(إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ)سورة الفتح. فلو كانت عند غير المسلمين؛ لكانت دليلاً دامغاً عندهم، وبرهاناً ساطعاً، على ألوهية نبيهم، وعندهم التأكيد بهذا الأسلوب الحصري، وأداة الحصر (إنما) … لكن لم يقل أحد من المسلمين، في أي زمن ولا بلد بشيء من هذا أبداً ؛ مما يدلك على استقرار التوحيد في قلوب المسلمين، وما يذكرونه في النبي صلى الله عليه وسلم حب لا يزيد.

وهناك آية أخرى، تدل على أن ربنا يعلمنا، أن الغلو عند المسلمين في سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم غير واقع ، وهي قوله تعالى : (لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) سورة الفتح. وتفحص الآية الكريمة؛ تجد مولانا لم يفصل فيها بوقف بين تعزروه وتوقروه وبين تسبحوه فالأوليان(تعزروه وتوقروه) للجانب النبوي الشريف ، والثالثة (تسبحوه) لرب العزة سبحانه وبحمده، ولم يفصل بينهم بفاصل آية، أو بوقف؛ لأن الله يعلم صدق إيمان المسلمين، وإخلاص توحيدهم، ويعتمد على فطنة السامعين وفهمهم للقرآن، بناء على توحيدهم، فلن يخطئوا في فهم الآية، والآية فيها من علم البلاغة ما يعرف باللف والنشر، وهو من ألطفِ أنواع المحسِّنات البديعية المعنويَّة، ويُسمَّى أيضًا الطيّ والنشر، وهو كما عرَّفه القزويني: ذكر متعدِّد على َجهة التفصيل أو الإجمال، ثم ذكر ما لكلِّ واحد من غير تعيينٍ؛ ثقةً بأنَّ السامع يردُّه إليه.

فالله – سبحانه وبحمده- يشير هنا إلى إخلاص توحيد المسلمين – وكلهم كذلك- فهم يفرقون بين النبي صلى الله عليه وسلم كمخلوق، وبين الله – تعالى- الخالق.

إذن فحب النبي صلى الله عليه وسلم من جانب المسلمين ليس فيه غلو، بل هو فرط عشق، وعظم ود، للحبيب صلى الله عليه وسلم ورحم الله البوصيري :
وانسب إلى ذاته ما شئت من شرف… وانسب إلى قدره ما شئت من عظم
فإن قدر رسول الله ليس له… حد فيعرب عنه ناطق بفم
وقد جعل ربنا – تبارك وتعالى- حب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، أفضل من كل ما في الدنيا، فإذا زاد حب أي شيء في الدنيا عن حب الله ورسوله، فهو دليل خسران الدنيا والآخرة، قال تعالى :(قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) سورة التوبة.

لذا فديننا الحب، ونبينا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين، أعظم المحبين والمحبوبين.


جميع الحقوق محفوظة 2022 جريدة السوهاجية - جريدة السوهاجية | صوت من لا صوت له
المقالات والتعليقات المنشوره لا تعبر عن رأي جريدة السوهاجية ولكن تعبر عن رأي صاحبها