جريدة السوهاجية

جريدة السوهاجية | صوت من لا صوت له

الدكتور محمد القاضي يكتب: الأمة والمنح الربانية

 

الدكتور محمد عمر أبو ضيف القاضي

أمة الإسلام أمة راقية، أخلاقها سامية، وقيمها عالية، وبين أجيالها روابط قوية، ووشائج متينة، تستمد ذلك من قيم دينها، الذي يأمر الصغير باحترام وتوقير الكبير، ويلزم الكبير برعاية ورحمة الصغير، ويحض الجميع على معرفة حقوق العلماء، فكل جيل يحمل لمن سبقه عظيم التقدير وجميل التوقير والاعتراف بالفضل، وحفظ الجميل، مهما زاد في مظاهر العظمة، وبرز في أسباب المدنية، وبلغ من الرقي في الدنيا، فلا ينسى فضل سلفه، ولا يهضم حق أصله من الآباء والأجداد، بل يقر لهم، ويعترف ويخفض جناحه لهم، ويذل، وهذا من آداب الدين وضوابطه، يقول عمرو بن العلاء -، وهو من القراء السبعة وعالم من الأكابر في الشريعة واللغة، ومن المعدودين من علماء الإسلام – :”وما نحن فيمن قبلنا إلا كبقل في أصول نخل طوال” .

وهذا الإجلال وذلك التوقير ليس بمانع الأجيال اللاحقة من منافسة سلفهم في المعالي، ومسابقتهم في شتى العلوم، والاجتهاد في الفوز، والجد في السبق؛ ليقينهم أن الله لم يخل جيل من فضل، ولم يقصر العلم على عصر دون آخر، مستأنسين بنصوص شريفة عن نبينا -صلى الله عليه وسلم-، ومدفوعين بها للجري في مضمار الكمال، وهذا ما تنبه إليه كثير من العلماء، منهم :

أبو الحجاج الأعلم الشنتمري، في مقدمة كتابه: (النكت على كتاب سيبويه)، حيث يثير هذا الأمر بطريقة مقنعة مشرقة ، مؤيدة بالدليل- وهي مهمة – وإن كانت غير مشتهرة بين طلاب العلم، يقول: “فأكثر الناس، ولا سيما أهل بلدنا – خاصة أهل زماننا- يعيبني؛ لتأخر زماني، وخمول مكاني، فقد قضى الرسول- صلى الله عليه وسلم- بقوله: (رب مبلََّغ أوعى من سامع) أنَّ المتأخر قد يكون أفقه من المتقدم، والتالي يوجد أفهم من الماضي، والحكمة مقسَّمة على العباد، لم تؤثر بها الأزمنة، ولا خُصَّت بها الأمكنة، بل هي باقية إلى يوم القيامة، يؤتيها الله من يشاء من عباده. والعلم ضالةٌ لا يُوجدُها إلا الطالب، وظهر لا يركبه إلا استظهار الراغب، ودرجة لا يرتقيها إلا الباحث المواظب، وإنما يتفاضل الناس بالاجتهاد، والدُّؤوب وحسن الارتياد، ومن أدمن قرع الباب فيوشك أن يدخل، ومن واصل السير فأحرى به أن يصل” .

والذي ينكر فضل اللاحق، أو لا يعطيه حقه فيما أبدعه ووهبه الله من فتوحات علمية وفيوضات ربانية، فهو جاهل بسنن الله في خلقه، أو حسود يغمط الخلق، ويغطي الحق، يقول ابن مالك في مقدمة التسهيل:” وإذا كانت العلوم مِنَحاً إلهية ومواهب اختصاصية فغير مستبعد أن يدّخر لبعض المتأخرين ما عجز عن إدراكه بعضُ المتقدمين. نعوذ بالله من حسد يسد باب الإنصاف، ويصد عن جميل الأوصاف” .

فالله سبحانه وتعالى قد بث العلوم بفضله في كل العصور، وأعطى بإحسانه كل العباد حظوظها ، ورزق مختلف البلاد من الأنوار ما لو أخذوا بها لسادوا، يقول أبو حيان النحوي في مقدمة تفسيره البحر المحيط: ” وليس العلم على زمان مقصوراً، ولا في أهل زمان محصوراً، بل جعله الله حيث شاء من البلاد، وبثه في التهائم والنجاد، وأبرزه أنواراً تُتوسم، وأزهاراً تتنسم” .
فإذا خمل جيل؛ فليس لنقص رزقه، ولا لضعف حظه، بل هو لعجزه عن الأسباب، ولكسله عن الاجتهاد، ولنومه عن المعالي.


جميع الحقوق محفوظة 2023 جريدة السوهاجية - جريدة السوهاجية | صوت من لا صوت له
المقالات والتعليقات المنشوره لا تعبر عن رأي جريدة السوهاجية ولكن تعبر عن رأي صاحبها